تذكير:
هناك:
السبب المقتضِي؛
المسبَّب المقتضَى؛
المانِع مِن تحقُّق المسبَّب مع وجود السبب.
-
ألف) حرف "لو" الشرطيّة الامتناعيّة: هذه "اللَّو" تستعمل في جملة شرطية تعقبها جملة هي جوابها. وتفيد هذه "اللَّو" سببيّةً، وتدلّ على امتناع، اي: على نفي الجملة الأولى بسبب نفي الجملة الثانية في الزمن الماضي؛ فانتفاء الجملة الثانية دالّ على انتفاء الجملة الأولى؛ هذا في الدلالة.
أما في الخارج، فانتفاء الجملة الأولى قد يكون سببًا لانتفاء الجملة الثانية، كما يكون إثبات الجملة الأولى سببًا لإثبات الجملة الثانية. يظهر ذلك عيانًا في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ، لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ، وَلَكِن كَذَّبُواْ، فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
-
والقصد من استعمال هذه "اللَّو" متعدّد:
ففي قول الله تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ، مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، سيقَ الكلامُ لبيان الفائدة التي ترتّبت على إيمان المذكورين من أهل الكتاب (والذين سبق ذكرهم) بالنبي الآخر وبالقرآن لو آمنوا به؛ لكنهم لم يؤمنوا، فحُرِموا من هذه الفائدة؛ وهذا ما سنراه في ألف.ألف. ولم يُسَق الكلام للقياس الاستثنائيّ (وهو ما سيُذكَر تحتُ في ألف.ب)، يعني: ليس للاستدلال على عدم إيمانهم (بالنبي الآخر)، بأنهم اتخذوا المشركين أولياء: فعدم إيمانهم بهما كان معلومًا مشاهَدًا. وما جاء بعد حرف "لكن" هنا، ليس إلا بيان عدم إيمانهم: هم فاسقون فسقًا أكبر.
وأما القياس الاستثنائيّ (ألف.ب)، فهو مثل ما ورد في قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ. وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ، لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ. إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: سيق الكلام هنا للاستدلال على عدم كون رسول الله عالِمًا بالغيب عِلْمًا كلّيًّا: استدلّ على ذلك بعدم علمه الأشياء قبل وقوعها، الأمر الذي يشاهَد في عدم استكثاره من المنافع الدنيويّة وفي عدم تحرّزه من جميع المضارّ الدنيويّة.
-
فيختلف القصد من استعمال هذه "اللَّو". فالقصد منها:
ألف.ألف) إما مجرَّد بيان أنْ لو حدث ما ذُكِر في الجملة الأولى، لسبّب في حدوث ما ذُكِر في الجملة الثانية، لكن بما أنه لم يحدث ما ذُكِر في الجملة الأولى، انتفى مسبَّبه المذكور في الجملة الثانية. وأمّا ما يأتي بعد حرف "لكن"، فهو تصريحٌ بنفي الجملة الأولى أو بيانٌ لسبب نفيها:
وهذا كما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا، لاَّتَّبَعُوكَ، وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ}؛
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ، لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ، وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}؛
وقوله: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ، مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}؛
وقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ، لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ، لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}؛
وقوله: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ. لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ، بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا}؛
وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم، مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ، وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى. فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}؛
وقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا، مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ، وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى. فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}؛
وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا، لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.
-
وقد يكون مع ذلك البيان: المنّ بانتفاء ما ذُكِر في الجملة الأولى وبالتالي عدمِ وجود السبب المذكور فيها - ومُنّ بهذا الانتفاء لأن ثبوت مسبَّبه (المذكور في الجملة الثانية) مشكلة -؛ وقد يذكر فيه أيضًا (بعد حرف "لكن") المانعُ من خبر الجملة الثانية:
كما في قوله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ، لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ، وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}،
وفي قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً. وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا، لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ، وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم، مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ، وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}؛
وفي قوله: {وَلَوْ شِئْنَا، لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}؛
وقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ. وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}؛
وفي قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم، مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}.
وأما "لولا"، فإنها تدل على نفي الجملة الثانية بسبب وجود المذكور في الجملة الأولى (فما في الجملة الأولى مانِعٌ لتحقّق ما في الجملة الثانية)؛ ففيها المنّ بانتفاء خبر الجملة الثانية وبعدمِ تحقّق المسبّب المذكور فيها. لكن ليس دائمًا معه بيانٌ لِما هو السبب المُقتضِي لوجود المسبَّب الممنوع.
كما في قوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء}؛
وقوله: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفًا. وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}؛
وقوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}؛
وقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}؛
وقوله: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛
وقوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا. لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ. كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}؛ أي: "لولا أن رأى برهان ربه، لأمضى ما همّ به". "قال القشيري أبو نصر: وقال قوم: "جرى مِن يوسف همّ، وكان ذلك الهمّ حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل. وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد. وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد وتناول الطعام اللذيذ" (تفسير القرطبيّ)؛
وقوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ، لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}.
-
وقد يكون مع ذلك البيان: التصريح بأن خبر الجملة الأولى شيء حسن، فيكون فيه إظهار التمنّي لوقوع ذلك الشيء الحسن، أو إظهار التحسّر على فوات ذلك الشيء الحسن من المَعنِيّين:
كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ، وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا، لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ، لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}.
وفي الحديث التالي إظهار التحسّر على انتفاء ما ذُكِر في الجملة الأولى وبالتالي على عدمِ وجود السبب المذكور في الجملة الأولى - وتُحُسِّر على عدمِ وجود ذلك السبب لأن ثبوت مسبَّبه (المذكور في الجملة الثانية) أفضى إلى مشكلة -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلّوا" مع قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت؛ ولولا أن معي الهدي، لأحللت". فسوقه - صلى الله عليه وسلم - الهدْي مع نية التمتّع أفضى إلى عدم إمكان تحلّله بعد أداء العمرة، والحال أن أصحابه تحرّجوا من التحلّل. قال القرطبي: "فمعنى الكلام: "لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة، لأحرمت بعمرة ولما سقت الهدي"" (المفهم).
ثم استُعمِل "لو" لإظهار التمني أو التحسّر بدون التصريح بالجزاء؛ كما في قوله: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
وأحيانًا تستعمل "لو" مع فعل "ودّ"؛ كما في قوله: {وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ}، وقوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.
وهكذا في أمثال قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}. قال الزمخشري فيها: "{ولو ترى}: يجوز أن يكون خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: "وليتك ترى"، كقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: "لو نظرت إليها". والتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان الترجي له في {لعلهم يهتدون} لأنه تجرّع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم؛ وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: "لرأيت أمرا فظيعا"، أو: "لرأيت أسوأ حال ترى". ويجوز أن يخاطب به كل أحد؛ كما تقول: "فلان لئيم: إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك"، فلا تريد به مخاطبا بعينه" (تفسير الزمخشري).
-
ألف.ب) وإمّا الاستدلال بانتفاء شيء على انتفاء شيء آخر (وهو ما يسمِّيه المَنطِِقيّون: "القياس الاستثنائيّ"):
إما الاستدلال بانتفاء ما ذُكِر في الجملة الثانية على انتفاء ما ذُكِر في الجملة الأولى؛ وهذا لأنّ المذكور في الجملة الأولى سبب (في الخارج) للمذكور في الجملة الثانية؛ فإذا ثبت انتفاء المسبَّب، دلّ على انتفاء السبب:
كما في قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ، لَفَسَدَتَا}؛ أي: لكن لا تفسدان، كما يظهر لكل مُشاهِد؛ كما جاء في قوله الآخَر: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، فدلّ على أنه ليس فيهما إلا إله واحد، وهو الله؛
وفي قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ، لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}؛ أي: لكن لا يجدون فيه اختلافًا مع طول نصّه وامتداد زمن إتيانه؛ فدلّ على أنه لم يأت من عند مخلوق؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ، لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}؛ أي: لكن لم يستعدّوا للسفر؛ فدلّ على أنهم لم يريدوا الخروج، وأنما أرادوا التخلّف. وأمّا ما ذُكر في النصّ بعد "لكن" - {وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} -، فهو السبب التكوينيّ لعدم إرادتهم الخروج ("وقيل: هو عبارة عن الخذلان، أي أوقع الله في قلوبهم القعود": تفسير القرطبيّ)؛
وفي قوله: {قُل: لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ؛ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ، لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ؛ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ أي: لكن لم أستكثِرْ مِنَ الخير الدنيويّ، وَقد يمَسُّنِي السُّوء الدنيويّ؛ فدلّ على أني لا أعلَمُ الغيبَ عِلْمًا كلّيًّا.
-
وإما الاستدلال بانتفاء ما ذُكِر في الجملة الأولى على انتفاء ما ذُكِر في الجملة الثانية؛ وهذا لأنّ المذكور في الجملة الأولى سبب (في الخارج) للمذكور في الجملة الثانية؛ فإذا ثبت انتفاء السبب، دلّ على انتفاء مسبَّبه (إلا إن كان له سبب آخر):
كما في قوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً. قُل: لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً}؛ أي: لكن ليس فيها ملائكة يمشون بل بشر؛ فدلّ على أنه كان عينَ الحكمة بعثُ إنسانٍ رسولًا.
-
ب) حرف "لو" الشرطيّة غير الامتناعيّة: هذه "اللَّو" تستعمل أيضًا في جملة شرطية تعقبها جملة هي جوابها. وتفيد هذه "اللَّو" أيضًا سببيّةً، لكنها لا تدلّ على امتناع شيء بسبب امتناع شيء آخر؛ بل تكون بمعنى "إنْ" الشرطيّة، إلا أنها غير جازمة:
نجد مثل هذه "اللو" في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا، خَافُواْ عَلَيْهِمْ. فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا}.
-
وقد يكون في استعمالها بيان عظم الحال إلى درجة أنه حتى إنْ حدث ما ذُكِر في الجملة الأولى - وهو شيء عظيم -، سَبَّبَ في حدوث ما في الجملة الثانية - وهو شيء عظيم جدًّا-:
كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ
الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}؛
وقوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}.
وهنا يأتي قياس الأَولَى من نوع ما في قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ، لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: فالإنسان أولى بذلك إذ هو أعقل وأشد انعطافًا من الجبل الكائن بالحجارة.
وهاهو مثال لنفس المعنى لكن في طلبٍ (ولم يَعُدْ في خبرٍ كما كان في السابق): {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ، وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ. إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا. فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ}: فإذا كان المشهود له أو عليه، أو المَقضِيّ له أو عليه ذا قربي، كانت الحالة سبَبًا بالأَولَى في توجّه الأمر إلى القائل بأن يعدل، لأنها مظنّة لعكس هذا الأمر، بأن يزيد الشاهدُ أو الحَكَمُ في القول، أو ينقص، ميلًا إلى ذي قرابته وشفقةً له، فيكون تحقيقُ الفعل (العدل، والكينونة قوامًا بالقسط شهيدًا لله) أصعبَ فيها منه في الحالة العادية.
-
ج) وهناك "لو" الوصليّة: لا تدلّ هذه "اللو" على سببيّة، بل تُستعمَل لبيان عظم المذكور في الجملة الثانية إلى درجة أنه حتى لو وُجد ما ذُكِر في الجملة الأولى، لَحدث المذكور في الجملة الثانية، والحال أنّ المذكور في الجملة الثانية هو عكس ما يُسبِّبُه عادةً ما ذُكِر في الجملة الأولى (ثم المذكور في الجملة الثانية قد يكون نفْيًا - مثل: "لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ" -، وقد يكون إثباتًا - مثل: "وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" - واعتبار الجملتين منعكس ههنا --)؛
"même si" :وتُتَرجَم هذه "اللو" باللغة الفرنسيّة بـ
كما في قوله: {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؛ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}؛
وفي قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}؛
وفي قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، أي: "مَا آمنوا بل قالوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ"؛
وفي قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى}، أي: "مَا آمنوا به"؛
وفي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ}؛
وفي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}: فالأمر باتّباع ما أنزل الله متوجّه إلى كل أحد. ولكن يبقى البعض متمسكين بما وجدوا عليه آباءهم؛ وهذا لا يصلح كحُجّة إذا كان الآباء على منهاج مبنيّ على كتابٍ منزَّلٍ قبلُ، أو على قلبٍ يُعقَلُ له؛ فكيف إذا كان الآباء لاَ يَهْتَدُونَ بكتابٍ ولا يَعقِلون شيئًا؟ {أَ}فيتّبعون مَا أَلْفَوا عَلَيْهِ آبَاءَهم مُعرِضين عمَّا أَنزَلَ اللّهُ {وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ؟}.
وقد يعكس اعتبار كِلَي الجملتين لنفس المعنى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا، وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}؛ {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
-
والله أعلم بأسرار كلامه